حوار مع الاعلاميّة سماح قصد الله :هذا ليس زمن المؤمنين بالثقافة

حاورها : جمال قصودة
 
كل عمليّة ابداعية هي عملية اتصالية بامتياز ، تفترض  وجود باثِ – المبدع – ومتقبلِ– الجمهور – و قناة اتصاليّة ،  هذه القنوات و محاملها صارت  كثيرة الحقيقة بعد الثورة التقنية و الرقمية التي نعيش على وقعها ،
قد نحتفي بالمبدع ايمانا بجمالية نصّه او لوحته او موسيقاه ….. قد نكرّم المتقبّل من خلال احترام ذائقته ووعيه و لكن نادرا ما فكّرنا في القنوات الاتصالية ، في الوسيط برغم أهميّة فعله و جهده الذي يحتاج دعما و تثمينا لان العملية الاتصالية برّمتها من دونه قد تفقد معناها و تفقد انسيابها الطبيعي ، فالمنجز الابداعي بلا متقبل و لا مثمّن هو ابداع ميّت لا محالة لاننا لا نكتب و لا نبدع لأنفسنا ،
اذا وجود الابداع و انتشاره مشروط بالوساطة البينيّة التي تؤمنها قنوات الاتصال بين المبدع و المتقبل .
ايمانا منّا  بأهمية هذا الوسيط ، موقع أنتلجنسيا للثقافة و الفكر الحرّ يستوقف اعلامية عرفت بانخراطها في الشأن الثقافي و مساهمتها الفعّالة  التي وجب ان تثمّنها و أن نسلّط عليها الضوء كي لا تبقى من جنود الخفاء ،
الاعلامية سماح قصد الله ، تعانق الابداع من خلال فعلها الخافت من داخل “اركسترا ” الثقافة ، هي عازفة مجيدة على آلة ” الكونترباص” ،  على جماليته قد لايكون فعلها ظاهرا للعيان   فهذا ديدن العازفين على تلك الآلة الضخمة حجما ، الخافتة صوتا ، هي لا تجيد العزف المنفرد خارج أطر ” الاركسترا ” و لكنّ صوتها أساسي- برغم شفافيته- في اي سمفونية تعزف .
-1- لمن لا يعرف سماح قصد الله ، ماذا تقولين له في تقديم نفسك ؟
10352279_10205285750492550_
صحفية متحصلة على شهادة الأستاذية في الصحافة وعلوم الاخبار معدة ومقدمة برامج في اذاعة تونس الثقافية منذ عشر سنوات تقريبا جئت الى عالم الصحافة والإذاعة تحديدا بعد عشق لمهنة المتاعب منذ سنوات الطفولة اذ انني عشت في بيت يتابع بانتباه شديد البرامج الإذاعية والتلفزيونية التونسية والعربية وكنت أنام وأصحو على صوت المذياع وعلى أصوات ونجوم في الصحافة والاعلام كنت أحسبهم وأنا طفلة أفرادا من العائلة كبرت وكبر معي هذا الحب والعشق لفرسان الكلمة وفرسان الاذاعة والتلفزيون فاخترت بعد حصولي على شهادة الباكالوريا دون تردد او حيرة الصحافة واختصاص الاذاعة وكان لي ذلك ومنذ ذلك الوقت والصحافة حياتي كلها والميكروفون عشقي اللامحدود.



-2- ماهي أهم المحطّات التي ميّزت تجربة سماح قصد الله و مسيرتها ؟
أكاد أجزم أن أهم محطة في مسيرتي الصحفية والإعلامية والتي لها الفضل في أن أصبح سماح قصدالله مع كل التواضع هي انضمامي الى الفريق الاول المؤسس لإذاعة تونس الثقافية بعد مناظرة وطنية شاركت فيها وكنت ممن نجحوا فيها ،هي تجربتي الاولى مع الاعلام السمعي الذي كان اختصاصا في دراستي الجامعية وبعد النظري أخوض غمار العمل الميداني التطبيقي الذي صقل موهبتي وأضاف الي الكثير وجعلني أحلم أكثر بأن يكون لي اسم وبصمة في المشهد الإعلامي محطة هامة جداً رغم كل مافيها من تعب وجهد وظروف قاسية مررنا بها كصحافيين في البداية جعلتني أتحول من تلك الفتاة العاشقةللعمل الصحفي الى صحافية تثابروتجتهد من احل حرية التعبير ومن اجل حق الجميع في الثقافة ومن أجل ان تكون الصحافة السلطة الرابعة حقا.

-3- و انت المشغولة بالصحافة و الثقافة في آن هل تشاطرين ” أوسكار وايلد” الراي حين يقول : الفرق بين الأدب والصحافة أن الصحافة لا تستحق القراءة والأدب لا تتم قراءته”؟
لا اوافقه كثيرا ربما اليوم الصحافة والأدب معا يعيشان مرحلة صعبة نوعا ما ناتجة عن العزوف عن القراءة والأزمات التي يعانيها المجالان لكن هذا لا يمكن ابدا ان يقلل من شأن الصحافة ولا من شأن أقلام صحفية كبيرة سواء كان في عالمنا العربي او في العالم بأسره ولا ننسى أن كبار الأدباء كانوا أيضاً صحفيين والعكس صحيح وسأستدل بما قاله الأديب الراحل فاروق خورشيد في كتابه الذي صدر عام 1961م (بين الأدب والصحافة):” بدأت الصحافة عندنا كاهنة في محراب الأدب تستمد منه وجودها وبقاءها.. كتاب الأدب والنقد هم العمد الأساسية في بناء أي صحيفة وقارئ الأدب والنقد هو المستهلك الأول للصحيفة وكانت الصحف تضطر إلى احتكار أكبر عدد من أصحاب الأسماء اللامعة في دنيا الأدب تفرد لهم أهم صفحاتها وتخضع لاحتياجاتهم التي توضع في الاعتبار وعن طريق هذا التجاوب بين الصحافة والأدب تسللت الصحف إلى مجتمعنا المحافظ المتمسك بتقاليده ذلك بأنها كانت تتجاوب مع ثقافته وذوقه باستمرار فتقدم له الغذاء المعتنى به والاسم الرنان الذي يضمن للقارئ عنده الفكر
الناضج والرأي الحر”.


-4- يقول ” فرانك زابا”:” جزء كبير من الصحافة عبارة عن أناس لا يجيدون الكتابة يقابلون أناسا لا يجيدون التحدث لأناس لا يجيدون القراءة” هل توافقينه القول ؟ و هل هذا ما يطبع الساحة الصحفية و الاعلامية بتونس ؟ ام في القول الكثير من التحامل ؟
في هذا الرأي كثير من التحامل وكثير من المبالغة وعدم الموضوعية في الحديث عن الكتابة الصحفية بخصائصها ودورها الهام الذي تقوم به ولا يمكن ان ننكر ابدا وجود صحافيين من طراز عال مثقفين ويمتلكون كل مقومات الكتابة الجيدة كما لا يمكن ايضا ان نتجنى كثيرا على القارئ اذ رغم انخفاض نسب القراءة في وطننا العربي وفي تونس تحديدا الا انه لا يمكن ان ننفي وجود قراء متميزين متابعين وفي احيان كثيرة مبدعين ايضا لكن وفي نفس الوقت لا بد من الإشارة انه لا يمكننا ان نكون مثاليين جداً وان ننكر ان هناك تراجع كبير على مستوى الكتابة والقراءة معا ولعلنا يمكن ان نلاحظ المستوى الذي آلت اليه الصحف اليوم والوضع المادي المتردي الذي تعانيه نتيجة خسارتها لقرائها الأوفياء كما اننا فقدنا ذلك الصحفي الاديب الذي تميز في فترة من فترات تاريخنا الصحفي.

-5- و انت المواكبة للسّاحة الثقافية منذ سنوات ؟ كيف تقيّمينها ؟ ما نجاحاتها ؟ و ماهي أدرانها التي وجب ان تعالج ؟
الساحة الثقافية في تونس كالقدر التي تغلي تقول بق بق بق أسفلها أعلاها وأعلاها أسفلها والعبارة جاءت في كتاب الوافي في الوفيات للصفدي على لسان ابن تيمية ، بمعنى انها ايضا في حالة غليان متواصلة تفاجئنا دائماً مرت بمراحل متعددة ومختلفة تألقت وبرزت في فترات معينة استطاعت من خلالها ان يكون لها تأثير وأثر وحضور في المشهد الثقافي العربية ثم أصيبت بحالة ركود واضحة ناتجة عن القمع والتضييق والحد من حرية التعبير في فترة الحكم الدكتاتوري ومع اصحاب سلطة بعيدين كل البعد عن الثقافة بل ويسعون الى تهميشها بكل الطرق ،في الفترة الاخيرة وتحديدا بعد ثورة 14 جانفي ومع تحرر الكلمة تحررت الثقافة ايضا وظهرت اشكال ثقافية جديدة مسكونة بالحرية وبحب التغيير وقلبت المشهد رأسا على عقب واعتبرت فترة صحوة حقيقية دعمها الحضور القوي للتجارب والطاقات الشابة ورغم هذه المكاسب وهذه الإيجابيات الا ان التغيير لم يكن جذريا ومن العمق ولم توازي ماعرف بالثورة ثورة ثقافية حقيقية تؤسس لعقلية ثقافية ومشهد ثقافي جديدين وأصبحنا نرى في كثير من الأحيان “أعلاها أسفلها وأسفلها أعلاها ” وأصبحنا نرى نوعا من الانفلات الذي تسرعه الحرية المزعومة فالكل اصبح كاتبا والكل اصبح إعلاميا والكل أصبحا مدير مهرجان والكل اصبح فنانا!هذا الى جانب الأزمات العديدة التي تعاني منها الساحة ونذكر أزمة الكاتب والكتاب كثرة الدخلاء على المركزية الثقافية قلة الإمكانيات والظروف المادية الصعبة التي تعاني منها المؤسسات الثقافية وغيرها من المشاكل الحقيقية.

-6- كانت لكم زيارات عربية كثيرة ،أ لا تشاطرينني الراي ،ان المفقود بساحتنا الثقافية مقارنة ببقية الساحات  هي الحميمية و المحبّة التي قد تكون عملة نادرة بين المبدعين التونسيين ؟ 
سأصدمك ان قلت لك أن الحال هو نفسه في الساحات الثقافية العربية رغم ما يبدو لنا من محبة وحميمية بينهم لكن الامر المفقود عندنا هو الإحساس بحجم المسؤولية وغياب الرؤية والتصور والمشروع الذي نجده عند ساحة ثقافية اخرى ربما تكون حديثة العهد بالثقافة تضع الخطط والاستراتيجيات التي من شأنها ان تتطور بها وتجعلها تفرض نفسها في المشهد الثقافي العربي واحيانا العالمي ايضا ولنأخذ مثال على ذلك الساحة الثقافية المغربية ونظيرتها الخليجية مثلا وهنا أعود للقول ان الجانب المادي والإرادة السياسية عنصران هامان في تطور اي ساحة ثقافية مع احساس المثقف طبعا بدوره الريادي في ذلك بقطع النظر ان كنا نحب بعض أو لا .

-7- الاذاعة الثقافية – العائلة التي تحتضنك – كيف تقيّمين أداءها قبل و بعد الانتفاضة التي عاشها شعبنا ؟
فعلا هي بمثابة العائلة وأشكرك كثيرا على هذه العبارة اذاعة تونس الثقافية كما تقرر تسميتها وكل احب ان اسميها هي بيتي الذي اشعر فيه بكياني وبوجودي كصحفية وإعلامية مختصة في الشأن الثقافي وأعتبرها دون مبالغة اهم مشروع ثقافي أنجز في تونس في السنوات الاخيرة كما اعتبرها صرحاً إعلاميا ثقافيا متميزا في زمن نعيش فيه حالة انفلات إعلامي ايضا رغم الاصوات التي تدعي ان هذا هو حرية اعلام الاذاعة تأسست في مرحلة صعبة والان هي في مرحلة رغم صعوبتها الا انها خارج المنافسة اذاعة كان من حظها انها مختصة في الثقافة لانها بذلك ابتعدت عن المجالات التي يمكن ان تجعلها تتكلم باسم النظام وتكون بوقا له كما انها تأسست في فترة أراد النظام ان يبرز انه داعم للثقافة والمثقفين وان هناك نصيب من الحرية -طبعا والأمر لم يكن كذلك- ثم ومع ثورة 2011 فسح المجال أكثر لتقوم اذاعة تونس الثقافية بدورها على اكمل وجه وتكون حاضرة مع المثقف في كل المحافل الثقافية داخل حدود الوطن وخارجه وعظمت المسؤولية اكثر خاصة مع ظهور الاعلام السمعي الخاص ومع الإشكاليات التي يعيشها قطاع الثقافة فكان قدرها ان تعاني نفس المشاكل لانها الناطقة بصوت هذا المثقف او ذاك لكن هذا لم ولن يعيقها اذ هي في سعي متواصل الى تطوير نفسها اكثر خاصة مع فريق من الصحفيين المجتهدين والمحبين للإعلام الثقافي مع نخبة من الأساتذة المبدعين المتميزين وكل هذا يجعلها امام تحديات كبرى خاصة مع رهانات المرحلة.

-8-بالاضافة للعمل الاذاعي ، تقترف سماح قصد الله خطيئة الكتابة و لها أكثر من مساهمة، و أكثر من عضوية في هيئات تحرير ؟ ماهي اهم تجاربك في هذا المضمار و ماذا تعني لك الكتابة ؟
تجربتي مع الكتابة لا تعتبر كبيرة وبالشكل الذي أتمنى وأحلم ورغم اختصاصي الصحفي الا انني ومنذ الصغر كانت لي علاقة حميمية مع القلم والورقة كنت اختلي بنفسي وأكتب في كراس أخبئه عن الجميع بعضا مما أحس وبعضا مما أتخيل وأحلم وكنت ولاأزال اتمنى وأحاول جاهدة أن أكتب كتابة أدبية لا اعرف متى وكيف وماهو الجنس الادبي الذي سأكتبه لكنني أحب ذلك فعلا لا أحسد أحدا في حياتي غير الكاتب شاعرا كان أو روائيّا أو قاصا وأسعى بمطالعاتي اليومية باشتغالي على نفسي باستشارتي لأهل الذكر وان شاء الله سأصل.

-9-هل تفكّر سماح قصد الله في خوض تجربة الاعلام التلفزي ؟
بصراحة لم يكن حلمي ابدا ان اقدم برنامجا تلفزيونيا لكن وبعد تجربتي في الاذاعة وبعد حضوري في الكثير من الفعاليات العربية وتنشيطي احيانا للبعض منها مهرجانا كانتاو أمسيات ثقافية ومع غياب البرامج الثقافيّة الجادة والهامة في التلفزيونات ومع حجم الغضب الذي اشعر به عندما أشاهد الصورة التي يظهر بها المثقف والمبدع في البرامج التلفزيونية اصبحت افكر وأحلم بإعداد برنامج ثقافي فريد من نوعه هادف وفي نفس الوقت يوظف التكنولوجيا الحديثة ويخرج بشكل جميل ومتطور للمشاهد التونسي والعربي فيحقق المصالحة بين البرنامج الثقافي والمشاهد أتمنى من كل قلبي لكن وأقولها بمرارة هذا ليس زمن المؤمنين بالثقافة للأسف .

-10- كلمة الختام
يقول شاعر تونس الكبير أبو القاسم الشابي:
وَرَنَّ نَشِيدُ الْحَيَاةِ الْمُقَـدَّسِ في هَيْكَـلٍ حَالِمٍ قَدْ سُـحِر
وَأَعْلَنَ في الْكَوْنِ أَنَّ الطُّمُوحَ لَهِيبُ الْحَيَـاةِ وَرُوحُ الظَّفَـر
إِذَا طَمَحَتْ لِلْحَيَاةِ النُّفُوسُ فَلا بُدَّ أَنْ يَسْتَجِيبَ الْقَـدَرْ
لذلك سأحلم وسنحلم جميعا بثقافة في مستوى التاريخ العريق لهذا البلد وسنحلم بإعلام في مستوى نضالات شعب وأتمنى أن أكون واحدة من بين الذين يتركون بصمة في تاريخ الاعلام الثقافي في تونس والوطن العربي
أشكركم كثيرا على هذا الحوار الجميل وأتمنى لكم التوفيق

0 commentaires:

إرسال تعليق