بقلم سامي السنوسي كاتب و شاعر من تونس: خليل حاوي يعتذر لِـغَـزّةَ عن انتحاره

 حين فجّرْتُ جمجمتي برصاصة الرّحمة، خِلْتُ الأجيالَ القادمة قادرة على إعادة تشكيلها لتكون لائقَة بهم، و أكون لائقا ككاتب رسم فكرته بالدم و الموت من القهر... هكذا أنا لم أتغيّر ...
عُدْتُ أخيرا لأحتفل بانتصار حلمت به حتى الموت ، و شعوب لا تُفرّق بين حُكّامِها و أناسِها البُسَطاء...
و أنا في الطريق إليْكم ، رقصتُ كما لم أرقص مِنْ قبل ،واستسمحت فيروز الرقصَ على نخب مساجد و كنائس القدس العتيقة و الجديدة ...
و رأيتُ رفيقي مارسال خليفة يرقص معي مُنتشِيا بعروس الجنوب و بذلك الطفل الذي كتب على الجدار حتى انهار من وقع الكلمة و صمود المقاومين .
... استعدتُ لحظة الرصاصة في رأسي : كم كنتُ شَهِيّـا تلك اللحظة.
حين وصلتُ إليكم، لم يكن قطار العودة إليها بعيدا، و لكنَّ شَيْئا ما بدأ في قصفي جسدا، فكرةً و دماء...
هذا الشيء الذي كان خارج الوصف، سرق فرحتي بطلقَتي الأخيرة . أكنتُ خارج النّسق حين فجّرتُ فكرتي في جسدي؟ ما الذي تغيّر منذ ذلك الوقت ؟
أرى أغطية وغذاء و خياما تتجه نحو حدود الوطن المحتل و مُخيَّماته.
هل تصل ؟ قد لا تصل ! . أكانوا على شفا الهلاك جوعا ؟ و يرتجفون من البرد ؟
الجوع كافر ولكنّ الجوع إلى الوطن الحُرّ أكبر.. والبردُ الذي يَخِزهم هو برد النسيان و الخذلان من أهلهم ... هو برد الخطابة و السرد الذي يُنظِّر للهزائم .
أأصبحنا إخوة يوسف في صيغة جمع الجمع ؟ كلّما حفرنا قبرا لطفل في غزّة ،تنفّسنا الصّعداء، عفوا
"الـ ــ ـ ـ ـسُّعَداء" : لقد أوجدنا له مكانا في جوف الأرض رغم كلّ شيء !.
حين أمعنتُ في السؤال :لماذا أمعنتم في الصمت كما أمعن العدوّ في إبادتكم ؟،
قالوا ، و أنت ، لماذا عدتَ هكذا بلا سبب غير افتعال الشَّغب؟
لا تقل عنهم شهداء، بل قتلى راحوا فأراحوا، و استرحنا و استراحوا..
لا تقل للأمّهات المنكوبات في أطفالهنّ صبرا، بل عليكنّ تحديد نسلكنّ حتى لا يغضب القاتل مرّة أخرى فلا نجد قبورا لمن سيموت قبل مجيئه أصلا !..
لا تقل للأب لا تحزن على من ذهبوا، بل هو رغيف أقل...
لا تقل لِصبيّة استُشْهِد حبيبُها تزوَّجي ذِكراه، بل تجمّلي لغيره فأنتِ الأجمل
و الأبقى لغرائز الأشباه من..أشباه الرّجال ...
لا تقل للقدس "واقدساه" ، بل سأزوركِ عبر الصور السياحية لأشقائنا من الإسرائليين...
لا تقل أرضي كلّ بلاد العرب، تكفيك الأرض التي وُلِدْتَ فيها أو سنسحبها هي الأخرى منك...
قُــلْ ! بل لا تقل أصلاً ، و الزم الحدود الفاصلة بين الحُلم و الرصاصة !
يا رصاصتي الأخيرة، يا آخر المعشوقات المحترمات، قلتُ لهم غزّة تحترق..
يكاد أنفي ينفجر من رائحة اللحم الطفولي/النسائي/الشبابي/الرجالي/الفلسطيني/الغزّاوي/العربي/الإنساني ...
ابتسموا و قالوا، لا تشغل بالك بالهوامش ! ، تلك مسألة عادية، هكذا أفتى المُعتدلون منّا وقد آمنّا بما يقولون : الطريق الوحيد الأوحد إلى الغنائم يمرّ قطعا عبر الهزائم . فدعنا ننهزم كما يحلو لنا.لن نُنكر عليك حقّك في البكاء كما يحلو لك . تلك رغبتنا التي لا تُـقَـاوَم في الانحناء، فلا تُـقَاوم هَوَسَنا بالذّلّ و الهوان !.
حين نحرَتْك الرصاصة من الفكرة إلى وريد الشهيد ، كنّا سُعداء . غيابك أعطانا فرصة الحضور و البقاء الأزلي على قمّة مزاد القضيّة .
شعراء و منظّرون و سياسيون يقتاتون من رصاصتك و يتباكون خمرا، جاها، مالا و نساء !. ها نحن نحيا بموتك، فلماذا تعود إلينا مُتْرَعًا بِسُكْر البدايات؟
عذرا إن عدتُ. لم أندم على ما فعلت (الآن أدركت لماذا اختار درويش الرحيل، على الأقل لم يعتذر) . ولكنّ القلم الذي حبّرتُ به نهايتي لا يليق بما أرى من خراب و صمت مريب. لن اعتذر إلاّ لغزّة عن رصاصتي الأخيرة، كان من الممكن أن أختار قلما آخر للانتحار وأهدي رصاصتي/حبيبتي للمقاومين في غزّة.أزعم أنّها قادرة على صدّ قطعان القتلة..
هي دقيقة بما يكفي لصيد الغزاة.. كبيرة بما يحمي المقاومين من غدر الاجتماعات التي لا تنتهي إلاّ بعد تقتيلنا و تدمير دواخل القلب فينا ...
مزمجرة كأحلام الشوارع هنا و هناك في النصر أو على الأقل في البكاء بكلّ حرّية...
صامدة رغم كلّ الخيانات ، و لكنّها اليوم خانتني لأنّها اشتهت يَدَ مقاوم يصوّبها إلى المتوحّشين الجدد . كم أنا سعيد بهذه الخيانة، عليكم اللعنة إن تخلّيتم عنهم هناك ! .دعوا لنا حلمنا في الحرية و انتصار الحياة..
أيها "المعتدلون" دعوا الاعتدال للطقس و تحدّثوا بلغة تدخل القلب قبل الجيب.
عودوا إلينا ، لتعود الابتسامة إلى شوارعنا ...
عودوا كما عُدْتُ حيّا و لكنّ رصاصتي اليوم ليست في جمجمتي، بل في يدي أهديها للمقاومين في غزّة

0 commentaires:

إرسال تعليق